فوزي آل سيف

132

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

2. وهو بالإضافة إلى ذلك منبع الأحكام والحجة عليها والدليل الذي ينتفع به المستنبط والفقيه في استنباط الأحكام باستمرار للقضايا المتجددة فهو ليس قضية تاريخية كانت في الماضي، وإنما هو مستمر في عطائه، وهذا من عناصر الاعجاز فيه، إذ معارفه متجددة بحسب استيعاب وحاجات كل جيل بشري. 3. وأفضل وصْف وَصَف القرآن نفسه به هو قول الله عز وجل (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) فرسالة القرآن أن يصنع للإنسانية الحياة الفاضلة في هذه الدنيا وفي نفس الوقت هو مبشِّرٌ بأن للمؤمنين العاملين للصالحات أجراً كبيراً في يوم القيامة. ولما سبق وغيره فقد تعددت أوجه الاهتمام بالقرآن الكريم من قبل الأمة؛ تلاوةً فنحن نجد الكثير من المسلمين يواظبون على تلاوته ولا سيما في أيام شهر رمضان المبارك، ولا ريب أن تلاوة القرآن بذاتها وبغض النظر عن التأمل في المعاني - حيث هي مرحلة أعلى - تؤثر في قلب القارئ وبصيرته بنحو ملحوظ، فهو مثل إمرار الماء النظيف العذب على لباس متسخ فإنه بكثرة مروره فيه ينظفه ويجليه أو النور يمر في وسط ظلام فإنه يضيئه. ويزداد هذا التأثير كلما تدبر الانسان في آيات القرآن وتأمل في خطاباته، وأحسن من ذلك وأبلغ لو طبق ما فهم منه على حياته الفردية والاجتماعية. ومن أوجه اهتمام المسلمين بالقرآن حفظه كاملاً أو حفظ أجزاء منه، ومن ذلك سعي العلماء في تفسير آياته وتبيينها لعامة الناس. ولا يقتصر الأمر على هذا بل إن بعض أصحاب الأموال والتجار يستشعرون مسؤوليتهم تجاه القرآن فيسعون لطباعته تارة وينشئون دور تعليمه، وينفقون على حفاظ ودارسي القرآن الكريم. هذه الأشكال من الاهتمام بالقرآن لا ريب أنها مقدرة اجتماعيا ومشكورة ومحصلة للثواب إلهيا للقائمين بها. وكلها لا ريب تعتمد على وجود القرآن الكريم (المحفوظ بحفظ الله عز وجل) منذ نزوله إلى يومنا وإلى قيام يوم الدين. ومع تقدم الوسائل أصبح هذا الحفظ[398]أسهل وأسرع. هذه الأنحاء المختلفة التي يتعدد القائمون بها في هذه الأيام والعصور، كانت تجتمع في السابق في فئة يطلق عليها القرّاء فهم من جهة يحفظون آيات القرآن عن ظهر قلب وهو ما يقوم به الحفاظ في زماننا، وهم أيضا يفهمون آياته ويستدلون بها على الأحكام الشرعية وهو ما يقوم به الفقهاء والمجتهدون، وهم كذلك يتلون القرآن في الصلوات وغيرها وهو ما يقوم به عامة الناس. وربما لهذا السبب كان يقال عنهم أنهم " جمعوا " القرآن. وبالطبع فهم يتفاوتون في هذا " الجمع ". فلا يمكن أن نقرن إلى أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام أحدًا من أصحاب النبي بل ولا هم مجتمعين! وإنما الكلام هو فيما بين أصحاب النبي. وفي هذا الإطار الثاني يعد أُبيٌّ بن كعب الأنصاري سيد القرّاء[399]. والشخص المفضل عند أهل البيت، بين أصحاب النبي المتخصصين في قراءة القرآن.

--> 398 ) الحفظ له درجات بعضها فوق بعض، أولاها أن يتم حفظ اللفظ القرآني وكلام الله كما أنزل، وعليه تترتب باقي درجات الحفظ. 399 ) عَنْ أنَسٍ قالَ قَرَأ القرآن عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأنْصارِ: زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو زَيْدٍ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.. وبالرغم مما في هذا الأثر من مناقشة بالنسبة للثلاثة إلا أنه يثبت ما نحن فيه بالنسبة أبي بن كعب.